عاصم جمال يكشف أسرار العروض التي طاردته قبل التوقيع للاتحاد.. رفضت الكبار من أجل حب سيد البلد.

“من قلب “القلعة الخضراء” بكيان نادي الاتحاد السكندري، يطل علينا موهبة استثنائية تعيد للأذهان سحر الزمن الجميل.

عاصم جمال، نجم فريق 2007 والملقب بـ “بركات الإسكندرية”، لم يعد مجرد اسم صاعد فى قطاع الناشئين، بل بات حديث الصباح والمساء فى الشارع السكندري بعدما فرض موهبته على الفريق ، وتم تصعيده للفريق الأول ومنتخب مصر للشباب.

بسرعته التي لا تصد وذكائه الفطري فى التحرك بين الخطوط، يذكرنا عاصم بأسلوب “الزئبق” محمد بركات، ليصبح “الجوهرة” التي تراهن عليها جماهير الثغر لاستعادة الأمجاد.

وفى هذا الحوار، نكشف تفاصيل رحلته من البداية فى 2017، وسبب تمسكه بقميص “سيد البلد” رغم العروض المغرية، وطموحاته التي لا تحدها سماء مع الفراعنة.”

لكل حكاية نجاح نقطة انطلاق، كيف كانت الشرارة الأولى لبداية مسيرتك الكروية؟

يعود بي شريط الذكريات إلى عام 2017، هناك حيث بدأت الحكاية فى أروقة نادي الاتحاد السكندري العريق.

لم تكن مجرد بداية، بل كانت اختباراً حقيقياً لموهبتي تحت مجهر الخبراء، وكان مدير القطاع وقتها الدكتور حسن أبو عبده، مدير قطاع الناشئين آنذاك، فى هذا التوقيت كنت أخطو فيه خطواتي الأولى نحو عالم الأضواء، وداخل الاتحاد، لم أتعلم فنون الكرة فحسب، بل تشربت معنى الانتماء لكيان يمثل تاريخاً بأكمله.

كيف كانت تفاصيل انضمامك إلى نادي الاتحاد السكندري، ومن الجهة التي تواصلت معك وأبلغتك برغبة النادي فى التعاقد معكم؟

ثقتي فة إمكانياتي كانت كبيرة، لكن ما حدث فة اليوم الأول للاختبارات تجاوز كل التوقعات، لم أكن بحاجة لفترة تعايش طويلة أو فرصة ثانية، فمنذ اللمسة الأولى، شعرت بأنني لفت الأنظار.

وبدلاً من الانتظار لصدور القوائم النهائية، فوجئت بإدارة النادي تستدعي العقود فى ذات اليوم، للتوقيع والانضمام لزعيم الثغر.

كانت لحظة فارقة، أن تضع القلم على الورق وتوقع عقدك الاحترافي فى غضون ساعات من دخولك النادي.

عندما تبرز موهبة مثلك، تتكالب عليها العروض بالتأكيد، نعلم أنك نجحت ف اختبارات أندية أخرى، فما الذي دفعك لتفضيل “زعيم الثغر” على غيره؟

فى ذلك الوقت، كانت الأبواب كلها مشرعة أمامي، فقد اجتزت اختبارات عدة أندية كبرى بنجاح ساحق، وكان الصراع على توقيعي محتدماً، كنني لم أكن أبحث عن مجرد عقد احترافي، بل كنت أبحث عن الهوية. انحيازي لنادي الاتحاد السكندري لم يكن وليد الصدفة، بل كان قراراً نابعاً من القلب، فأنا عاشق لهذا الكيان قبل أن أكون لاعباً فيه.

أردت أن أتنفس كرة القدم تحت ضغط المدرجات الجماهيرية، فهناك سحر خاص لا تجده إلا فى الأندية التي تستمد قوتها من هدير جماهيرها، اخترت الاتحاد لأنني أؤمن بأن التألق بقميص “سيد البلد” له طعم مختلف تماماً عن أي نادي آخر.

كيف استقبلت تلك اللحظة عاطفياً؟ ما الذي دار فى خلدك حين أدركت أنك أصبحت رسمياً جزءاً من تاريخ هذا النادي العريق؟

لا يمكن للكلمات أن تصف حجم الغبطة التي غمرتني فى تلك اللحظة، فأن تتحول من مشجع يملؤه الشغف إلى لاعب يرتدي قميص الاتحاد السكندري، هو انتصار للذات أولاً وللحلم ثانياً.

انتابني شعور بالفخر الممزوج بمسؤولية ثقيلة، فقد أدركت أنني لم أعد أمثل نفسي فحسب، بل أصبحت جزءاً من نسيج هذا الصرح العظيم.

تلك الفرحة لم تكن مجرد رد فعل على توقيع عقد، بل كانت إعلان ميلاد جديد لمسيرتي، وبداية لرحلة كنت أتطلع فيها لرد الجميل لهذا الكيان الذي منحني ثقته من اللمسة الأولى.

من كان أول من استقبلك داخل القلعة الخضراء عند انضمامك إلى نادي الاتحاد السكندري؟

فى عالم كرة القدم، الموهبة وحدها لا تكفي ما لم تجد من يحتويها ويصقل زواياها، وقد كنت محظوظاً بلقاء الكابتن أحمد سمير، فهو أول من احتضن موهبتي، ولم يبخل علي بعلمه وخبرته، بل غرس فى أبجديات الكرة التي لا تزال تلازمني حتى اليوم.

وبقدر تأثري الفني فى الملعب، كان للكابتن أحمد عبد اللطيف، الإداري المجتهد، دورٌ لا يقل أهمية، فقد كان خير سند لي فى البدايات، بجهده الدؤوب وحرصه الصادق على تذليل كل العقبات أمامي.

هؤلاء هم الجنود المجهولون الذين منحوني الثقة حين كنت فى أمس الحاجة إليها، وساعدوني لأقف على أرض صلبة فى مستهل مشواري.

حين تنظر إلى الأفق، ما هي الغايات الكبرى التي يطمح إليها ذلك الفتى الذي بدأ من قطاع الناشئين؟ أين ترى نفسك فى السنوات القادمة؟ وما هي طموحاتك مع الاتحاد السكندري؟

طموحي لا يعرف سقفاً، وعيناي دائماً ترنو نحو القمة، فهدفي الأسمى هو تثبيت أقدامي ضمن صفوف الفريق الأول بنادي الاتحاد، ليس كمجرد لاعب، بل كمساهم أساسي فى اعتلاء منصات التتويج وإهداء هذا الجمهور العظيم البطولات التي يستحقها.

أما على الصعيد الوطني، فأنا أحمل حلم تمثيل منتخب مصر فى وجداني، بدأت العمل لتكون لي بصمة مع منتخبات الناشئين، كخطوة أولى تليها المهمة الأكبر وهي ارتداء قميص ‘الفراعنة’ الأول.

إنها رحلة ألف ميل بدأت بخطوة، وأنا على يقين، بمشيئة الله، أن العمل الجاد سيقودني لتمثيل وطني فى المحافل الدولية ورفع راية مصر والاتحاد عالياً.

كل موهبة تبحث عن مرجع ملهم يغذي خيالها فى الملعب، من هم الملهمون الذين تشاهد فيهم نسخة مثالية لما تود أن تكون عليه محلياً وعالمياً؟

فى عالم كرة القدم، أميل دوماً إلى اللاعبين الذين يطوعون الكرة بعقولهم قبل أقدامهم، عالمياً، أجد فى النجم الكرواتي لوكا مودريتش المعلم الأول، فهو يجسد الأناقة فى منتصف الميدان، والقدرة الفائقة على التحكم فى إيقاع اللعب بهدوء الكبار.

أما محلياً، فيبهرني ‘الحاوي’ أيمن حفني، إذ أعشق طريقته الفريدة فة المداعبة السحرية للكرة، وقدرته على ابتكار حلول من لا شيء، أحاول دائماً أن أمزج بين عقلية مودريتش الاحترافية ومهارة حفني الفطرية، لأخلق لنفسي أسلوباً خاصاً يجمع بين الفعالية والمتعة البصرية.

خلف كل انطلاقة واعدة، هناك “عراب” يرى ما لا يراه الآخرون، من هم الأشخاص الذين تدين لهم بالفضل فة صياغة شخصيتك الكروية داخل جدران نادي الاتحاد؟

فى مرحلة البدايات، كنت محظوظاً بلقاء شخصيات لم تكن مجرد أسماء فى جهاز فني، بل كانوا بمثابة عائلة، أخص بالذكر الكابتن أحمد سمير، المدرب الذي احتواني فنياً ونفسياً، لقد كان أول من آمن بقدراتي، ومنحني من خبرته ما صقل مهاراتي ووضعني على الطريق الصحيح.

ولا يمكنني إغفال الدور المحوري للكابتن أحمد عبد اللطيف، ذلك الإداري المجتهد الذي كان جندياً مجهولاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لقد وقف بجانبي بكل إخلاص، وسهل لي كل السبل لأركز فقط فى الميدان، هؤلاء هم من غرسوا فى الانضباط قبل المهارة، ولهم فى قلبي مكانة لا تتغير.

فة رحلة كل رياضي، غالباً ما نجد شخصاً بعينه يمثل “البوصلة” أو الداعم الاستثنائي، من هو الشخص الذي ترك الأثر الأكبر فى مسيرتك حتى الآن؟

بصراحة شديدة، لا أريد أن أخصص فرداً بعينه بالذكر، فمنذ دخولي ساحة كرة القدم وأنا أتعامل مع منظومة متكاملة، الجميع داخل النادي يؤدون واجباتهم بمنتهى الإخلاص، من أصغر موظف إلى أكبر مسؤول.

أنا أرى نفسي جزءاً من نسيج جماعي، حيث يتساوى الجميع فى الحقوق والواجبات. لقد حظيت بالدعم والتقدير من كل من تعاملت معهم، والكل يسعى لهدف واحد وهو مصلحة الفريق.

لذا، فإن ملهمي الحقيقي هو روح الجماعة والاجتهاد الذي أراه فى عيون زملائي ومدربي يومياً، فنحن جميعاً نعمل فى محراب نادي عظيم، والفضل يعود للمنظومة ككل لا لشخص بمفرده.

السؤال: كيف تابعت النسخة الأخيرة من كأس الأمم الأفريقية؟ وما هي المنتخبات التي لفتت نظرك بتطورها أو أدائها الفني؟

بكل صراحة، قدمت لنا هذه النسخة من العرس الأفريقي وجبة كروية دسمة، حيث ارتفع سقف التوقعات والمستوى الفني بشكل ملحوظ، لقد كانت بطولة استثنائية بكل المقاييس، وما أثار دهشتي وإعجابي حقاً هو التطور المذهل فى هوية بعض المنتخبات، فعلى سبيل المثال، قدمت نيجيريا أداءً يتسم بالتوازن والصلابة، بينما استمرت السنغال فى تقديم كرة قدم عصرية تعكس جودة التخطيط والاستمرارية.

والمفاجأة لم تكن فقط فى النتائج، بل فى الجرأة التكتيكية والتحول البدني الذي أظهر أن الخريطة الكروية فى القارة السمراء لم تعد تعترف بالأسماء الكبيرة فقط، بل بمن يعطي الجهد والعرق داخل المستطيل الأخضر.

كيف تقيم ظهور المنتخب الوطني فى المحفل الأفريقي الأخير؟ وما الذي ينقصنا لنعود إلى اعتلاء عرش القارة مجدداً؟

لا يمكننا أن نبخس لاعبي المنتخب حقهم، فقد بذلوا قصارى جهدهم فى الملعب ولم يدخروا عرقاً فى سبيل القميص الوطني، لكن، إذا أردنا التحدث بواقعية ومن منظور فني، نجد أننا نعاني من فجوة فى المستوى مقارنة ببعض القوى الصاعدة فى القارة التي سبقتنا بخطوات فى التطور التكتيكي والبدني.

نحن نمتلك ‘خامات’ ومواهب فطرية استثنائية وقادرة على صنع الفارق، لكن الموهبة وحدها لم تعد تكفي، فنحن بحاجة ماسة إلى منظومة احتواء متكاملة، ومشروع فني طويل الأمد يشتغل على هذه المواهب ويصقلها وفق أحدث أساليب الكرة الحديثة.

نحن نمتلك الأدوات، لكننا نحتاج إلى التوظيف الأمثل والعمل القاعدي السليم لنلحق بركب الصدارة الأفريقية من جديد.

فى ختام هذا الحوار الشيق، ما هي الرسالة التي تود توجيهها إلى جماهير “سيد البلد” التي تنتظر منك ومن زملائك الكثير؟

رسالتي إلى هذا الجمهور العظيم بسيطة ونابعة من القلب، كونوا لنا السند كما عهدناكم، فنحن نستمد قوتنا من هدير حناجركم فى المدرجات، لقد اخترت الانتماء لهذا الكيان من أجلكم أنتم، ولأنني أدرك قيمة هذا القميص وتاريخه المرصع بحبكم.

أعاهدكم بأنني لن أدخر ذرة عرق، وسأواصل العمل والاجتهاد ليل نهار حتى نصل معاً إلى منصات التتويج، غايتي الأولى والأخيرة هي رؤية الفرحة فى عيونكم، وبإذن الله، سنحتفل قريباً بالبطولات فى ملاعبنا، لنرد لكم جزءاً بسيطاً من وفائكم الذي لا ينتهي.

Exit mobile version