
ليس كل من وطئت قدماه أرض المونديال يُعدّ من أهله، وليس كل من جلس على مقاعد البدلاء يُكتب اسمه في سجل الدار. فكأس العالم، شأنها شأن الأوطان العريقة، لها سكانها الأصليون الذين لا تغيّرهم تبدلات الأعلام ولا تحوّلات القارات
إذا كانت المنتخبات هي أبناء كأس العالم، فإن هناك طائفة قليلة من المدربين صاروا آباءً متنقلين لها. لا وطن كروي واحد لهم، بل وطنهم هو البطولة ذاتها. عرفهم التاريخ باسم “المدربين الرحّالة” أو “سكان كأس العالم الأصليين”، لأنهم هم الثابت الوحيد في بطولة تتغير وجوه منتخباتها كل أربع سنوات.
.
هم ليسوا عابري سبيل في تاريخ المونديال، بل هم جذوره المتشعبة في تربته. إن غابوا عن نسخة شعرت البطولة بنقص، وإن حضروا اطمأنّ الجمهور أن للحكاية راوياً خبيراً. لا يبنون فريقاً ليوم واحد، بل يغرسون شجرة كروية تظلّل الأجيال.
فكما للأرض سكانها الأصليون الذين يعرفون وديانها وجبالها، فإن لكأس العالم سكّانه الذين يعرفون خباياها وأسرارها. أولئك الذين حوّلوا مقعد المدرب إلى عرش متنقل، وجعلوا من صافرة النهاية في ملعب لغةً يفهمها كل أبناء المستديرة، مهما اختلفت ألوانهم وألسنتهم.
أولاً: تعريف المصطلح
المقصود بـ “السكان الأصليين لكأس العالم” ليس الجمهور أو اللاعبين، بل المدربون الذين حفروا أسماءهم في سجل البطولة عبر تدريب أكثر من منتخب وطني في أكثر من نسخة نهائية. هؤلاء المدربون هم الذاكرة الحية للمونديال، وخزان خبراته المتنقل بين القارات والثقافات.
ثانياً: الأمثلة الشاملة عبر التاريخ
1. بيو بوميروفيتش – ملك الرحالة وساحر المونديال
الصربي بيو بوميروفيتش
لأعجوبة الكروية التي لم ولن تتكرر. لا يوجد مدرب في تاريخ البشرية قاد خمسة منتخبات مختلفة للتأهل إلى النهائيات. مسيرته ملحمة بحد ذاتها:
بدأ مع المكسيك عام 1986 فأوصلها إلى ربع النهائي على أرضها في إنجاز لم تكرره بعد ذلك.
ثم انتقل إلى كوستاريكا المتواضعة عام 1990 فقادها للدور الثاني في أول مشاركة لها.
وبعدها درب منتخب الولايات المتحدة عام 1994 ونجح في إخراجه من دور المجموعات على أرضه.
ولم يكتف بذلك، فذهب إلى نيجيريا عام 1998 وهزم إسبانيا في مباراة تاريخية ووصل للدور الثاني.
وأخيراً ختم مسيرته الأسطورية مع الصين عام 2002 في أول وآخر تأهل لها للمونديال.
أربعة منتخبات من أصل خمسة قادها إلى أدوار خروج المغلوب. لذا استحق لقب “ساحر كأس العالم” و”الساكن الأصلي” للبطولة.
2-. كارلوس كيروش – بروفيسور التنظيم الدفاعي
البرتغالي كارلوس كيروش صار وجهاً مألوفاً في مقاعد البدلاء المونديالية.
بدأ رحلته مع جنوب أفريقيا عام 2002، ثم عاد إلى وطنه البرتغال عام 2010.
لكن العلاقة الأطول والأعمق كانت مع إيران، حيث قاد “الفرس” في ثلاث نسخ متتالية أعوام 2014 و2018 و2022، وصنع لهم هوية دفاعية صلبة جعلتهم عقدة للمنتخبات الكبرى. كيروش صار “الساكن الأصلي” عند الإيرانيين، فالجيل كامل لا يعرف كأس عالم دون بروفيسور كيروش على الخط.
عاد إلى كأس العالم في نسخته الحالية ٢٠٢٦، مع غانا التي لم تذق طعم الفوز بالمباريات العشرة الأخيرة، فلم تتمكن من الصعود إلى أمم أفريقيا الأخيرة.
لكن معها وأفكاره مكنها من الفوز على بنما بالجولة الأولى، واجبر اباء كرة القدم إنجلترا بالتعادل معه، ويحتاج نقطة من كرواتيا للتأهل إلى دور ٣٢ بوصافة مجموعته
3. أوتو جلوريا – رائد العولمة الكروية*
قبل أن يصبح تدريب أكثر من منتخب موضة، كان البرازيلي أوتو جلوريا الرائد الأول.
قاد البرتغال عام 1966 وحقق معها المركز الثالث التاريخي. ثم عبر القارات ليدرب نيجيريا عام 1978.
وختم مسيرته المونديالية مع المغرب عام 1986 محققاً إنجازاً عربياً وأفريقياً غير مسبوق يومها بوصوله إلى الدور الثاني.
جلوريا كان أول مدرب يدرب منتخبات من ثلاث قارات مختلفة في النهائيات، فاستحق لقب “أب العولمة الكروية”.
4. غوس هيدينك – صانع المعجزات المزدوجة*
الهولندي غوس هيدينك دخل التاريخ من باب ضيق جداً.
درب هولندا عام 1998 ووصل بها إلى نصف النهائي، ثم فعل الأغرب بعد أربع سنوات فقط عندما قاد كوريا الجنوبية عام 2002 إلى نصف النهائي أيضاً على أرضها.
أن تصل لنصف النهائي مع منتخبين من قارتين مختلفتين في نسختين متتاليتين هو إنجاز لم يحققه سواه.
5. ديك أدفوكات – الجنرال الهولندي
زميل هيدينك ومواطنه ديك أدفوكات له بصمة واضحة أيضاً، درب هولندا في مونديال 1994، ثم عاد لتدريب روسيا في يورو 2008 قبل أن يشرف على تصفيات بلجيكا لمونديال 2010. خبرته الواسعة جعلت منه “الجنرال” الذي تستدعيه المنتخبات وقت الأزمات.
6. أنطونيو لوبيز هاباس – الرحالة الصامت
الإسباني أنطونيو لوبيز هاباس أقل شهرة من سابقيه، لكنه من نفس المدرسة. أشرف على منتخب إسبانيا في مونديال 1994، ثم انتقل إلى فنزويلا لقيادة تصفيات مونديال 2002. اسمه يضاف إلى قائمة القلة النادرة.
ثالثاً: لماذا هم السكان الأصليون؟
أولاً، لأنهم يحملون خبرة تراكمية لا يملكها غيرهم. المدرب العادي يبني منتخباً واحداً، أما هؤلاء فيبنون منتخبات من الصفر في ظروف ثقافية ولغوية مختلفة تماماً. ثانياً، لأن الفيفا نفسها تعتمد عليهم كمحاضرين وخبراء في تطوير كرة القدم، فصاروا جزءاً من منظومة البطولة. ثالثاً، لأن ذاكرة الجمهور تربطهم بالمونديال أكثر من ارتباطهم بمنتخب واحد. فذكرى إيران هي كيروش، وذكرى المفاجآت هي بوميروفيتش.
هم جذور المونديال الراسخة، لا أغصانه العابرة، إن تبدّلت الأعلام وتبدّلت الوجوه، بقوا هم الذاكرة والخبرة، سكان أصليون لا تملكهم بطولة، بل تملكهم هي.