تقاريركأس العالم

قبعة نابليون… من ساحة ووترلو إلى رأس “شرقي” نجم فرنسا

 

القبعة السوداء ذات الطرفين المطويين “Bicorne” ليست مجرد غطاء رأس، بل رمز حكم وإمبراطورية هزّت أوروبا. حين ارتدى ريان “شرقي” شيركي لاعب منتخب فرنسا قبعة مستوحاة من قبعة نابليون بونابرت، لم يكن يرتدي إكسسواراً عابراً، بل استدعى تاريخاً كاملاً من المجد والسقوط. فما قصة هذه القبعة؟ ولماذا ارتبطت باسم الإمبراطور الفرنسي الأشهر؟

تاريخ قبعة نابليون: رمز السلطة والغموض

المواصفات والنشأة
قبعة نابليون الشهيرة مصنوعة من قماش اللباد الأسود، مطوية من الجانبين لتعطي شكل “القرنين”. كان يرتديها بشكل جانبي، بحيث يكون الطرفان متوازيين مع كتفيه، لا مع مقدمة الوجه وخلفه كما جرت العادة العسكرية آنذاك. هذا الوضع الجانبي جعله مميزاً وسهل التعرف عليه وسط ساحة المعركة. 1564

الرحلة عبر الزمن

فترة الإمبراطورية:

اعتمر نابليون حوالي 120 قبعة خلال حياته العسكرية بين 1799-1815. القبعة التي تظهر عليها الشارة الدائرية بألوان العلم الفرنسي أضافها بنفسه عند عودته من جزيرة إلبا في 1 مارس 1815.

أشهر القبعات:

– قبعة معركة ووترلو 1815 بيعت في مزاد بليون عام 2018 بمبلغ 350 ألف يورو.
– قبعة أخرى بيعت عام 2014 برقم قياسي 1.884 مليون يورو لرجل أعمال كوري جنوبي.
– اليوم لم يتبقَ سوى 20 قبعة أصلية، معروضة في متاحف كقصر فونتينبلو ومتاحف جنوب شرق فرنسا.

الدلالة الرمزية
لم تكن القبعة موضة، بل أداة قيادة. بساطتها السوداء مقابل بذخ جنرالات عصره أرسلت رسالة: “أنا جندي قبل أن أكون إمبراطوراً”. كما أن وضعها الجانبي جعل وجهه مكشوفاً للجنود، فصارت علامة ثقة وشجاعة.

“شرقي” والقبعة: إعادة كتابة الرمز

ريان ماتيس شرقي، المولود في ليون 2003 لأب جزائري-إيطالي وأم جزائرية، انضم لمنتخب فرنسا الأول 2025 وسجل 12 مباراة دولية حتى يوليو 2026.

ظهوره بقبعة على طراز نابليون لم يكن مصادفة:

استدعاء الإرث الفرنسي:

نابليون وُلد في أجاكسيو، وشرقي من ليون. كلاهما أبناء أطراف فرنسا الذين صعدوا لقلب باريس. ارتداء القبعة كان رسالة “ابن المقاطعات يعود حاملاً التاريخ”.

الشخصية المتمردة:

شرقي معروف بجرأته داخل الملعب وخارجه. نابليون كسر القواعد العسكرية بارتدائه القبعة جانبياً، وشرقي يكسر القواعد التكتيكية بمهاراته الاستعراضية. القبعة صارت توقيعه الجديد.

الجدل الإعلامي:
كما منع اليويفا مبابي من ارتداء قناع بألوان فرنسا في يورو 2024، أثار ظهور شركي بالقبعة نقاشاً: هل هي تكريم للتاريخ أم استفزاز سياسي؟ الجواب عند شرقي نفسه: كرة القدم اليوم تبحث عن رموز جديدة، وهو اختار رمزاً فرنسياً خالصاً.

من ووترلو إلى الملعب: ماذا تعني القبعة اليوم؟

قبعة نابليون انتقلت من ساحة المعركة إلى المزادات بمئات الآلاف، ثم إلى رأس لاعب عمره 22 سنة. هذا الانتقال يقول شيئاً واحداً: التاريخ لا يُحفظ في المتاحف فقط، بل يُعاد ارتداؤه. 3755

حين وضع شرقي القبعة على رأسه، كان يقول لفرنسا: “أنا لست مجرد لاعب مهاري، أنا جزء من قصة هذه الأمة – قصة الصعود من الصفر، وقصة الطموح الذي لا يعرف الحدود”.

قبعة نابليون بدأت كقطعة قماش تحمي رأس جنرال، وانتهت كأيقونة تباع بالملايين وتلهم جيلاً جديداً. شرقي لم يسرق التاريخ، بل أعاد تدويره. في زمن تبحث فيه فرنسا عن هويتها بين أبنائها من أصول مهاجرة، جاء لاعب من أصل جزائري ليرتدي تاج الإمبراطور الفرنسي الأشهر.

ربما هذه هي الرسالة الأعمق: فرنسا ليست تمثالاً في متحف، بل قبعة تُلبس وتُخلع ويُكتب لها فصل جديد في كل جيل. وفصل شرقي بدأ للتو.

زكريا حجاج

كاتب روائي وخريج حقوق وغاوي كورة
زر الذهاب إلى الأعلى